حمدوك: المجتمع الدولي لا يمكنه فرض حل…السودان أمام خيارين والشراكة مع العسكريين أثبتت فشلها
تتعمق أزمة السودان مع استمرار الحرب واتساع دائرة النزوح، في لحظة يواجه فيها البلد أحد أخطر منعطفاته منذ الاستقلال.في مقابلة مطوّلة مع راديو دبنقا، قال رئيس الوزراء السابق ورئيس تحالف “صمود”، عبد الله حمدوك، إن جولته الأوروبية تهدف إلى إعادة تسليط الضوء على ما وصفه بأكبر مأساة إنسانية يشهدها السودان.
وأوضح أن الجولة تشمل فرنسا وهولندا والنرويج وألمانيا والمملكة المتحدة، في محاولة لحشد دعم سياسي وإنساني لوقف الحرب. وأشار إلى أن السودان أصبح جزءًا مما سماه “الصراعات المنسية”، رغم حجم الانهيار الذي طال الخدمات الأساسية، من الغذاء والمياه إلى التعليم والصحة. وأضاف أن الهدف هو نقل معاناة ملايين النازحين واللاجئين إلى مراكز القرار في أوروبا، في وقت تراجعت فيه قدرة المجتمع الدولي على الاستجابة مقارنة بسنوات سابقة.
طرح تحالف “صمود” رؤية تقوم على ثلاثة مسارات مترابطة. الأول هو وقف إطلاق النار باعتباره شرطًا لأي تقدم. والثاني هو المسار الإنساني الذي يضع حياة المدنيين في مركز أي حل. أما الثالث فهو المسار السياسي، الذي يقترح له التحالف آلية “المائدة المستديرة” لجمع القوى المدنية. وقال حمدوك إن التحالف مستعد للجلوس مع تحالف تأسيس والكتلة الديمقراطية وقوى أخرى مثل حركة عبد الواحد محمد نور والمؤتمر الشعبي وحزب البعث، بهدف تشكيل لجنة تحضيرية تضع أجندة مؤتمر وطني وتعد مسودة سلام وتحدد شكل المرحلة الانتقالية.
أقر حمدوك بأن القوى المدنية تعاني من تشتت واضح بين تحالفات متعددة، ما أضعف تأثيرها في المشهد السياسي. لكنه قال إن المطلوب ليس وحدة كاملة بل تنسيق واسع تحت مظلة مشتركة، وهو أمر تحقق سابقًا في تاريخ السودان. وأشار إلى خطوات إيجابية مثل إعلان نيروبي الذي جمع “صمود” مع حركة عبد الواحد محمد نور وحزب البعث والمؤتمر الشعبي، إضافة إلى ميثاق القاهرة، معتبرًا أنها بداية نحو توحيد الجهود المدنية. وحذّر من أن استمرار الانقسام قد يهدد بقاء الدولة نفسها.
قال حمدوك إن الانفتاح السياسي يجب أن يستثني القوى التي “خرّبت البلاد”، في إشارة إلى المؤتمر الوطني المحلول والحركة الإسلامية المرتبطة به. وأوضح أن الهدف هو الانتقال من دولة الحزب إلى دولة الوطن. وأضاف أن السودان بلد ذو أغلبية مسلمة ولا يواجه تهديدًا لهويته الدينية، مشيرًا إلى تعاون القوى المدنية مع فصائل داخل الحركة الإسلامية، خصوصًا المؤتمر الشعبي الذي قال إنه اتخذ موقفًا واضحًا ضد الانقلابات ودعم الحكم المدني.
أكد حمدوك أن أي حل لا يمكن أن ينجح دون صوت سوداني واضح، وأن المبادرات الخارجية يجب أن تساند رؤية محلية لا أن تستبدلها. وقال إن الحرب اندلعت داخل السودان ويجب أن تُحل بإرادة سودانية، مع دعم إقليمي ودولي محدود. وتحدث عن الانقسام الاجتماعي العميق الذي فاقمته الحرب، مشيرًا إلى جذور تاريخية تتعلق بالتهميش وسوء إدارة التنوع. وأضاف أن السودان يقف أمام خيارين: بناء دولة جديدة بعقد اجتماعي جديد، أو الاستمرار في مسار الفشل الممتد لأكثر من سبعين عامًا.
قال حمدوك إنه كان من أبرز المدافعين عن الشراكة بين المدنيين والعسكريين خلال الفترة الانتقالية، لكنه اعترف بأن التجربة أثبتت فشل هذا النموذج. وأكد أن أي تسوية جديدة يجب أن تحدد دورًا مهنيًا للمؤسسات الأمنية بعيدًا عن السياسة والاقتصاد، مع الاعتراف بدورها في حماية المجتمع. وأشاد بمبادرة الرباعية التي طرحت مبادئ تشمل انتقالًا مدنيًا كاملًا وإصلاحًا أمنيًا وعسكريًا واستبعاد القوى التي أضرت بالحياة السياسية، معتبرًا أنها تتوافق مع رؤية تحالف “صمود”.
قال حمدوك إن الدولة السودانية فشلت في إدارة التنوع وبناء هوية جامعة، ما أدى إلى ظهور ثنائيات المركز والهامش والتنمية غير المتوازنة، ودفع مجموعات عديدة إلى حمل السلاح منذ خمسينيات القرن الماضي. وأضاف أن السودان بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد ودستور يشارك في صياغته الجميع، يعالج قضايا الهوية والتنوع وتوزيع السلطة والثروة، ويبني جيشًا قوميًّا يمثل كل السودانيين. ووصف هذا المشروع بأنه جوهر “السودان الجديد”.
في ختام حديثه، دعا حمدوك السودانيين إلى توحيد صفوفهم لإنهاء الحرب، مؤكدًا أن أعظم إنجازات السودان تحققت عندما توحد الناس، من الاستقلال إلى الانتفاضات والثورات. وقال إن الوقت قد حان لوقف معاناة الملايين ووضع حد للصراع الذي يهدد مستقبل البلاد.



















